فصل: تفسير الآيات رقم (46- 49)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير السمرقندي، المسمى «بحر العلوم» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏114- 115‏]‏

‏{‏قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ‏(‏114‏)‏ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ‏(‏115‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء تَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا‏}‏ وكان يوم الأحد، فصار ذلك اليوم عيداً لهم‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏عِيداً لَنَا‏}‏ يعني‏:‏ حجة لنا ‏{‏وَءاخِرِنَا‏}‏ يعني‏:‏ حجة لمن بعدنا ‏{‏قَالَ عِيسَى‏}‏ يعني‏:‏ نزولها علامة منك لنبوتك ‏{‏وارزقنا‏}‏ يعني‏:‏ وأعطنا المائدة ‏{‏وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين‏}‏ من غيرك‏.‏

فأوحى الله تعالى إلى عيسى بقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ الله إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ‏}‏ ما سألتم من المائدة ‏{‏فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ‏}‏ يعني‏:‏ بعد نزول المائدة ‏{‏مّنكُمْ‏}‏ ويكفر بعيسى بعد أكله من المائدة ‏{‏فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ العالمين‏}‏ يعني‏:‏ أحداً من الخلق‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذه كلمة تهديد ولم ينزل عليهم المائدة‏.‏

وروي في بعض التفاسير أنهم قالوا لعيسى‏:‏ رضينا بما في هذه الآية‏.‏ فقال عيسى لشمعون وكان أكبر الحواريين‏:‏ هل معك شيء من الزاد‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فجاءه بخمسة أرغفة، وسمكتين صغيرتين، فقطعهما قطعاً صغاراً ثم قال‏:‏ اجلسوا رفقاء‏.‏ فقعدوا عشرة عشرة‏.‏ فألقى عيسى عليه السلام بين كل رفقة قدر ما يحمله بإصبعيه، فجعل الطعام يزيد حتى جاوز ركبتهم فشبعوا‏.‏ وفضل خمسة‏.‏ ثم عاد من الغد ففعل مثل ما فعل بالأمس‏.‏

وروي أن الرغيف والسمكتين نزلت من السماء وهم ينظرون إليها‏.‏ وقيل‏:‏ كانت مائدة من در وقيل‏:‏ من بلور وقفت في الهواء‏.‏ فاجتمعوا يأكلون منها‏.‏ وروي أن المائدة كان عليها الفواكه، وكل شيء إلا الخبز واللحم‏.‏ وروي أن الجميع كانوا خمسة آلاف ونيفاً وروي اثني عشر ألفاً والله أعلم بالصواب‏.‏

وقال عامة المفسرين‏:‏ إن المائدة قد أنزلت عليهم‏.‏ وروي عن سلمان الفارسي أن عيسى عليه السلام قام ولبس جبة من شعر، وقام ووضع يمينه على يساره، وطأطأ رأسه خاشعاً لله تعالى، وبكى حتى سالت الدموع على لحيته وصدره، وهو يدعو ويتضرع، فنزلت مائدة من السماء فوقها منديل والناس ينظرون إليه، وعيسى عليه السلام ينظر ويبكي ويقول‏:‏ اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة‏.‏ حتى استقرت المائدة بين يدي عيسى والناس حوله‏.‏ قال عيسى‏:‏ بسم الله وكشف المنديل للناس، فإذا فيه سمكة مشوية لا شوك فيها‏.‏ والوَدَكُ يسيل منها، والخل عند رأسها، والملح عند ذنبها، وعليها أربعة أرغفة وعليها ألوان البقول إلا الكراث‏.‏ فقال‏:‏ كلوا من رزق ربكم فأكل منها ألف رجل‏.‏ ويقال‏:‏ خمسة آلاف رجل‏.‏ ورجعت المائدة كما كانت‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ نزلت يوماً واحداً ولم تنزل أكثر من ذلك‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ ثلاثة أيام، وقال بعضهم‏:‏ سبعة أيام‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ أكثر من ذلك‏.‏ فلما رجعوا عن ذلك الموضع شكوا فيه وكفروا، فمسخهم الله خنازير‏.‏

وروي عن ابن عمر أنه قال‏:‏ أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة‏:‏ المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون‏.‏

وروي عن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال‏:‏ نزلت المائدة خبزاً وسمكة‏.‏ وعن عطية العوفي قال‏:‏ كانت سمكة فيها طعم كل شيء‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 118‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ‏(‏116‏)‏ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ‏(‏117‏)‏ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ‏(‏118‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ الله ياأعيسى ابن مَرْيَمَ‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة ‏{‏أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى‏}‏ روى أسباط عن السدي قال‏:‏ لما رفع عيسى، وقالت النصارى ما قالت‏.‏ وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، سأله عن قولهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يدعى بعيسى يوم القيامة، ويدعى بالنصارى، فيقفهم، ويسأله ليفضحهم على رؤوس الناس‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هو سؤال التوبيخ للذين اعتدوا عليهم، لأنهم مجمعون أنه صادق وأنه لا يكذبهم الصادق عنده‏.‏ وذلك أوكد في الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ‏.‏ والتوبيخ ضرب من العقوبة‏.‏ ويقال‏:‏ إن الله تعالى لما قال لعيسى‏:‏ ‏{‏قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ‏}‏ أخذته الرّعدة من هيبة ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه ‏{‏قَالَ سبحانك‏}‏ فنزُّه الرب عن ذلك، أن يكون أمرهم بذلك‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ‏}‏ يقول‏:‏ ما ينبغي وما يجوز لي أن أقول ما ليس لي بحق‏.‏ يعني‏:‏ ليس بعدل أن يعبدوا غيرك ‏{‏إِن كُنتُ قُلْتُهُ‏}‏ يعني‏:‏ إن قلت لهم ذلك القول ‏{‏فَقَدْ عَلِمْتَهُ‏}‏ فإنك ‏{‏تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى‏}‏ يعني‏:‏ ما كان مني في الدنيا ‏{‏وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ‏}‏ يعني‏:‏ ولا أطلع على غيبك وما كان منك‏.‏

وقال أهل اللغة‏:‏ نفس الشيء‏:‏ جملة الشيء، وحقيقته، وذاته؛ فمعناه‏:‏ تعلم ما في ضميري، ولا أعلم ما في حقيقتك وغيبك‏.‏ ‏{‏إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب‏}‏ ما كان وما يكون‏.‏ وقيل‏:‏ ‏{‏تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى‏}‏ التي نسبت إلي، وأمرتني بالتسليم إليك‏.‏ ‏{‏وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ‏}‏ التي سلمت إليك، فأنت مالكها بجميع ما كان وما يكون منها، وأنت علام الغيوب قبل كونها وكون فعلها‏.‏ قرأ حمزة‏:‏ ‏{‏الغيوب‏}‏ بكسر الغين ومعناهما واحد‏.‏ وقرأ نافع وعاصم وابن عامر‏:‏ ‏{‏إِنّى مُنَزّلُهَا‏}‏ بالتشديد‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالتخفيف‏.‏ وهما لغتان نَزَل وأنْزَلَ بمعنى واحد‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِى بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ في الدنيا بالتوحيد ‏{‏أَنِ اعبدوا الله‏}‏ يعني‏:‏ وحّدوا الله وأطيعوه ‏{‏رَبّى وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً‏}‏ يعني‏:‏ على بني إسرائيل، أي‏:‏ بلغتهم الرسالة‏.‏ ويقال‏:‏ شهيداً يعني‏:‏ حفيظاً بما أمرتهم ‏{‏مَّا دُمْتُ فِيهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ ما دمت مقيماً في الدنيا بين أظهرهم‏.‏

‏{‏فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى‏}‏ يعني‏:‏ رفعتني إلى السماء ‏{‏كُنتُ أنت الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ الحفيظ والشاهد عليهم‏.‏ ‏{‏وَأَنتَ على كُلّ شَئ شَهِيدٌ‏}‏ من مقالتي ومقالتهم‏.‏ وما أدري ما أحدثوا بعدي ‏{‏إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم‏}‏ قرأ ابن مسعود‏:‏ ‏{‏فَإِنَّكَ أَنتَ *** الغفور الرحيم‏}‏ وقرأ غيره‏:‏ ‏{‏العزيز الحكيم‏}‏ فإن قيل‏:‏ وكيف سأل المغفرة للكفار‏.‏

قيل له‏:‏ لأن عيسى علم أن بعضهم قد تاب ورجع عن ذلك‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏إِن تُعَذّبْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الذين ماتوا على الكفر، فإنهم عبادك وأنت القادر عليهم ‏{‏وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الذين أسلموا ورجعوا عن ذلك‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ احتمل أنه لم يكن في كتابه ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 116‏]‏ فلهذا المعنى دعا لهم، ولكن التأويل الأول أحسن‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏ءانٍ تَغْفِرْ لَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لكذبهم الذي قالوا عليّ خاصة، لا لشركهم‏.‏ وهذا التأويل ليس بسديد، والأول أحسن‏.‏ وروي عن أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية ذات ليلة، فردّدها حتى أصبح‏:‏ ‏{‏إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ‏}‏ الآية وقال بعضهم‏:‏ في الآية تقديم وتأخير ومعناه‏:‏ ‏{‏إِن تُعَذّبْهُمْ‏}‏ فإنك أنت العزيز الحكيم ‏{‏وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ‏}‏ فإنهم عبادك قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏119- 120‏]‏

‏{‏قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏119‏)‏ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏120‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ‏}‏ قرأ نافع‏:‏ ‏{‏هذا يَوْمُ‏}‏ بالنصب‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالرفع‏.‏ فمن قرأ بالنصب فعلى الظرف‏.‏ أي‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ هذا لعيسى في يوم ينفع الصادقين صدقهم ومن قرأ‏:‏ بالرفع فعلى معنى خبر هذا يعني، هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم‏.‏ ويقال‏:‏ ينفع النبيين صدقهم بتبليغ الرسالة‏.‏ ويقال‏:‏ ينفع المؤمنين إيمانهم ‏{‏لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار‏}‏ يعني‏:‏ ثوابهم جنات تجري من تحتها الأنهار ‏{‏خالدين فِيهَا أَبَداً رَّضِىَ الله عَنْهُمْ‏}‏ بالطاعة ‏{‏وَرَضُواْ عَنْهُ‏}‏ بالثواب ‏{‏ذلك الفوز العظيم‏}‏ يعني‏:‏ المؤمنين فازوا بالجنة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏للَّهِ مُلْكُ السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ خزائن السموات والأرض ‏{‏وَمَا فِيهِنَّ‏}‏ من الخلق كلهم عبيده وإماؤه ‏{‏وَهُوَ على كُلّ شَئ قَدِيرٌ‏}‏ يعني‏:‏ من خلق عيسى من غير بشر والله أعلم بالصواب‏.‏

سورة الأنعام

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ‏(‏1‏)‏ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ‏(‏2‏)‏ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات والارض‏}‏ وخاتمتها خاتمة سورة هود‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والارض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الامر كُلُّهُ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 123‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الحمد للَّهِ‏}‏ حمد الرب نفسه، ودلّ بصنعه على توحيده، ‏{‏الذى خَلَق السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ خلق السموات وما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وخلق الأرض وما فيها ‏{‏وَجَعَلَ الظلمات والنور‏}‏ يعني‏:‏ خلق الليل والنهار‏.‏ ويقال‏:‏ الكفر والإسلام‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هذه الآية نزلت في شأن المجوس‏.‏ قالوا‏:‏ الله خالق النور، والشيطان خالق الظلمة، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم، ورداً عليهم، فقال‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَ الظلمات والنور‏}‏ يعني‏:‏ أن الله واحد لا شريك له، وهو الذي خلق السموات والأرض، وهو الذي خلق الظلمات والنور ‏{‏ثْمَّ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ المجوس ‏{‏بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يشركون‏.‏ ويقال ‏{‏ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ مشركي مكة ‏{‏بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يعبدون الأصنام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ آدم، وأنتم من ذريته ومن نسله ‏{‏ثُمَّ قَضَى أَجَلاً‏}‏ يعني‏:‏ أجل ابن آدم منذ يوم ولد إلى يوم يموت‏.‏ ‏{‏وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ‏}‏ يعني‏:‏ البرزخ منذ يموت إلى يوم البعث، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ؛ فهذا قول مقاتل والحسن‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ ‏{‏أَجَلاً‏}‏ يعني‏:‏ أجل الدنيا ‏{‏وَأَجَلٌ مُّسَمًّى‏}‏ يعني‏:‏ أجل الآخرة‏.‏ وهكذا قال سعيد بن جبير‏:‏ ويقال ‏{‏أَجَلاً‏}‏ يعني‏:‏ أجل واحد ‏{‏وَأَجَلٌ مُّسَمًّى‏}‏ يعني‏:‏ يوم القيامة ‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تشكون في البعث بعد الموت وفي الأجل المسمى‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الله فِى * السموات *** وَفِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ هو المتفرد بالتدبير في السموات وفي الأرض‏.‏ وهذا كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الذى فِى السمآء إله وَفِى الارض إله وَهُوَ الحكيم العليم‏}‏ ‏{‏صلى الله عليه وسلم‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 84‏]‏ يعني‏:‏ وهو خالق السموات والأرض‏.‏ ويقال‏:‏ هو الذي يوحد ويقر بوحدانيته أهل السموات والأرض‏.‏ ويقال‏:‏ عالم بما في السموات وبما في الأرض‏.‏ ‏{‏يَعْلَمُ سِرَّكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يعلم سر أعمالكم ‏{‏وَجَهْرَكُمْ‏}‏ يعني علانيتكم ‏{‏وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ‏}‏ من الخير والشر فيجازيكم بذلك‏.‏

ثم أخبر عن أمر المشركين فقال‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 6‏]‏

‏{‏وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ‏(‏4‏)‏ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايات رَبّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ‏}‏ ولم يتفكروا فيها ليعتبروا في توحيد الله تعالى‏.‏ وذلك أن مشركي مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم علامة‏.‏ وقالوا‏:‏ إنا نريد أن تدعو لينشق القمر نصفين لنؤمن بك، وبربك، ونصدقك‏.‏ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانشق القمر شقين، وذهب أحد النصفين إلى جانب حراء، والآخر إلى جانب آخر وهم ينظرون إليه‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ أنا رأيت حراء بين فلقتي القمر‏.‏ فأعرضوا عنه فلم يؤمنوا‏.‏ وقالوا‏:‏ هذا سحر مبين‏.‏

فنزلت ‏{‏اقتربت الساعة وانشق القمر * وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 1، 2‏]‏ ونزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايات رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ انشقاق القمر ‏{‏إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ‏}‏‏.‏

يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَاءهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ بالقرآن حين جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، واستهزؤوا بالقرآن بأنه ليس من الله تعالى‏.‏

‏{‏فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء‏}‏ يعني‏:‏ سيعلمون جزاء تكذيبهم واستهزائهم بالقرآن بأنه ليس من الله تعالى ويقال‏:‏ يأتيهم أخبار ‏{‏مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ‏}‏ من العذاب حين رأوها معاينة‏.‏ فهذا وعيد لهم أنه يصل إليهم العذاب إما في الدنيا، وإما في الآخرة‏.‏

ثم وعظهم ليخافوا ويرجعوا فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ‏}‏ يعني‏:‏ من قبل كفار مكة ‏{‏مكناهم فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ مكنّاهم وأعطيناهم من المال والولد ‏{‏مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ‏}‏ يا أهل مكة ‏{‏وَأَرْسَلْنَا السماء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً‏}‏ يعني‏:‏ المطر متتابعاً كلما احتاجوا إليه‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا الانهار تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فأهلكناهم‏}‏ يعني‏:‏ عذبناهم ‏{‏بِذُنُوبِهِمْ‏}‏ وبتكذيبهم رسلهم ‏{‏وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ وجعلنا من بعد هلاكهم ‏{‏قَرْنٍ مكناهم‏}‏ قال الزجاج‏:‏ القرن أهل كل مدة فيها نبي أو فيها طبقة من أهل العلم‏.‏ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خَيْرُ الْقُرونِ أَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 10‏]‏

‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏7‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ‏(‏8‏)‏ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ‏(‏9‏)‏ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِى قِرْطَاسٍ‏}‏ ذلك أن النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتاباً من السماء‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِى قِرْطَاسٍ‏}‏ يقول‏:‏ مكتوباً في صحيفة ‏{‏فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ‏}‏ يقول‏:‏ عاينوه وأخذوه بأيديهم ما يصدقونه ‏{‏لَقَالَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ يعني‏:‏ يقول الذين كفروا‏:‏ ‏{‏إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ولا يؤمنون به ‏{‏وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ‏}‏ من السماء فيكون معه نذيراً‏.‏

فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً‏}‏ من السماء ‏{‏لَقُضِىَ الامر‏}‏ يعني لهلكوا إذا عاينوا الملك، ولم يؤمنوا، ولم يصدقوا ولنزل العذاب بهم ‏{‏ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا ينتظر بهم حتى يعذبوا‏.‏ ويقال‏:‏ لو نزل الملك لنزل بإهلاكهم‏.‏ ويقال‏:‏ لو أنزلنا ملكاً لا يستطيعون النظر إليه فيموتوا‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ جعلناه مَلَكاً‏}‏ يعني‏:‏ لو أنزلنا ملكاً بالنبوة ‏{‏لجعلناه رَجُلاً‏}‏ يعني‏:‏ لأنزلناه على شبه رجل، على صورة آدمي‏.‏ ألا ترى أنهم حين جاؤوا إلى إبراهيم عليه السلام جاؤوا على صورة الضيفان‏.‏ وعلى داود عليه السلام مثل خصمين‏.‏ وكان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة دحية الكلبي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ‏}‏ يعني لو نزل الملك على أشباه الآدميين لا يزول عنهم الاشتباه‏.‏ والتلبس وروى بعضهم عن ابن عامر أنه قرأ‏:‏ ‏{‏مَّا يَلْبِسُونَ‏}‏ بنصب الباء يعني‏:‏ جعلنا عليه من الثياب ما يلبسونه على أنفسهم‏.‏ ظنوا أنه آدمي‏.‏ والقراءة المعروفة‏:‏ بالكسر‏.‏ يقال‏:‏ لبس يلبس إذا لبس الثوب‏.‏ ولبس يلبس‏:‏ إذا خلط الأمر‏.‏ وقال القتبي‏:‏ ‏{‏وَلَلَبَسْنَا‏}‏ يعني‏:‏ أضللناهم بما ضلوا به من قبل أن يبعث الملك‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ‏}‏ يا محمد كما استهزأ بك قومك في أمر العذاب ‏{‏فَحَاقَ بالذين‏}‏ يقول‏:‏ وجب ونزل بالذين ‏{‏سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ‏}‏ بالرسل‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَحَاقَ‏}‏ أي‏:‏ رجع‏.‏ وقال أهل اللغة‏:‏ الحيق ما يشتمل على الإنسان من مكروه فَعَلَتْه نفسه‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏استكبارا فِى الارض وَمَكْرَ السيئ وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاٌّوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 43‏]‏ وقال الضحاك‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في المسجد الحرام مع المستضعفين من المؤمنين بلال بن رباح وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وغيرهم‏.‏ فمر بهم أبو جهل بن هشام في ملأ من قريش وقال‏:‏ يزعم محمد أن هؤلاء ملوك أهل الجنة فأنزل الله تعالى عل رسوله هذه الآية ليثبت بها فؤاده، ويصبره على أذاهم فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ إن سخر أهل مكة من أصحابك فقد فعل ذلك الجهلة برسلهم فجعل الله تعالى دائرة السوء على أهل ذلك الاستهزاء‏.‏

ثم أمر المشركين بأن يعتبروا بمن قبلهم وينظروا إلى آثارهم في الأرض فقال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 12‏]‏

‏{‏قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ‏(‏11‏)‏ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ سِيرُواْ فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ قل لأهل مكة سافروا في الأرض ‏{‏ثُمَّ انظروا‏}‏ يعني‏:‏ اعتبروا ‏{‏كَيْفَ كَانَ عاقبة‏}‏ يعني‏:‏ آخر أمر ‏{‏المكذبين‏}‏ بالرسل والكتب‏.‏ وقال الحسن‏:‏ ‏{‏سِيرُواْ فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ اقرؤوا القرآن فانظروا كيف كان عاقبة المتقدمين في العذاب‏.‏ فقال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن فعلت هذا الفعل لطلب المال، فاترك هذا الفعل‏.‏ إنا نجمع لك مالاً تصير به أغنى أهل مكة‏.‏ فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لّمَن مَّا فِى

1649‏;‏لسموات والارض‏}‏ فإن أجابوك وإلا ف ‏{‏قُل لِلَّهِ‏}‏ يعني‏:‏ ما في السموات وما في الأرض يعطي منها من يشاء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة‏}‏ فلا يعذبكم في الدنيا‏.‏ وروى عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنَّ لله مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا وَاحِدَةً فَقَسَمَها بَيْنَ الخَلائِقِ فِبِها يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوُحُوشُ عَلَى أوْلادِها، وَادَّخَرَ لِنَفْسِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ويقال‏:‏ كتب الرحمة حيث أمهلهم، ولم يهلكهم ليرجعوا ويتوبوا‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة‏}‏ يعني‏:‏ ليجمعنكم يوم القيامة‏.‏ وهذا كما يقال‏:‏ جمعت هؤلاء إلى هؤلاء أي ضممت بينهم في الجمع ‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ في البعث أنه كائن‏.‏

ثم نعتهم فقال‏:‏ ‏{‏الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ قال بعضهم‏:‏ هذا ابتداء وخبره ‏{‏لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا بدل من قوله‏:‏ ‏{‏لَيَجْمَعَنَّكُمْ‏}‏‏.‏ عظم نفسه فقال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 16‏]‏

‏{‏وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏13‏)‏ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ‏(‏14‏)‏ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏15‏)‏ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَهُ مَا سَكَنَ‏}‏ يعني‏:‏ ما استقر ‏{‏وَلَهُ مَا سَكَنَ‏}‏ من الدواب والطير في البر والبحر‏.‏ فمنها ما يستقر في الليل وينتشر بالنهار‏.‏ ومنها ما يستقر بالنهار وينتشر الليل‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ السميع العليم‏}‏ يعني‏:‏ السميع لمقالتهم، العليم بعقوبتهم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً‏}‏ وذلك أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّ آباءك كانوا على مذهبنا، وإنما تركت مذهبهم للحاجة فارجع إلى مذهب آبائك حتى نغنيك بالمال‏.‏ فنزلت ‏{‏قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً‏}‏ يعني‏:‏ أعبد رباً ‏{‏فَاطِرَ السموات والارض‏}‏ يعني‏:‏ خالق السموات والأرض‏.‏ ويقال‏:‏ مبتدئهما‏.‏ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» أي، على ابتداء الخلقة‏.‏ وهو الإقرار بالله حين أخذ عليهم العهد في أصلاب آباءهم‏.‏ وإنما صار ‏{‏فَاطِرَ‏}‏ كسراً لأنه من صفة الله تعالى يعني‏:‏ أغير الله فاطر السموات والأرض‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ يجوز الضم على معنى هو فاطر السموات والأرض‏.‏ ويجوز النصب على معنى‏:‏ اذكروا فاطر السموات، إلا أن الاختيار الكسر‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ‏}‏ يعني‏:‏ يرزق ويقال‏:‏ وهو يرزق ولا يعان على رزق الخلق‏.‏ وقرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ‏}‏ بنصب الياء يعني‏:‏ يرزق ولا يأكل‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ‏}‏ من أهل مكة يعني‏:‏ أول من أسلم من أهل مكة، واستقام على التوحيد ‏{‏وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين‏}‏ يعني‏:‏ وقال لي ربي‏:‏ لا تكونن من المشركين بقولهم‏:‏ ارجع إلى دين آبائك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى‏}‏ يعني‏:‏ إني أعلم إن عصيت ربي فرجعت إلى آبائي، وعبدت غيره‏.‏ ‏{‏عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ عذاباً شديداً في يوم القيامة‏.‏

‏{‏مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ‏}‏ سوء العذاب ‏{‏يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ‏}‏ يعني‏:‏ غفر له وعصمه‏.‏ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عامر وعاصم في رواية حفص ‏{‏مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ‏}‏ بضم الياء ونصب الراء على معنى فعل ما لم يسم فاعله‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏مَّن يُصْرَفْ‏}‏ بنصب الياء ومعناه‏:‏ من يصرف الله عنه‏.‏ ولأنه سبق ذكر قوله‏:‏ ‏{‏رَبّى‏}‏ فانصرف إليه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَذَلِكَ الفوز المبين‏}‏ يعني‏:‏ صرف العذاب‏:‏ هو النجاة الوافرة‏.‏ وروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاعْلَمُوا أنَّهُ لا يَنْجُو أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا‏:‏ يا رسول الله ولا أنت‏؟‏ قال‏:‏ «وَلا أنَا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدِني الله بِرَحْمَتِهِ» يعني‏:‏ أن الخلق كلهم ينجون برحمة الله تعالى‏.‏

ثم خوّفه ليتمسك بدينه فقال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 19‏]‏

‏{‏وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏17‏)‏ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ‏(‏18‏)‏ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ‏}‏ يعني‏:‏ إن يصبك الله بشدة أو بلاء ‏{‏فَلاَ كاشف لَهُ إِلاَّ هُوَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يقدر أحد من الآلهة التي يدعونها ولا غيرها كشف الضر إلا الله تعالى‏.‏

‏{‏وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ‏}‏ يقول‏:‏ وإن يصبك بسعة أو صحة الجسم فإنه لا يقدر أحد على دفع ذلك‏.‏ ‏{‏فَهُوَ على كُلّ شَئ قَدُيرٌ‏}‏ من الغنى والفقر والعافية‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ‏}‏ الغالب والعالي عليهم‏.‏ ويقال‏:‏ القادر والمالك عليهم ‏{‏وَهُوَ الحكيم‏}‏ في أمره ‏{‏الخبير‏}‏ بأفعال الخلق‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَىُّ شَئ أَكْبَرُ شهادة‏}‏ وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا محمد ألا وجد الله رسولاً غيرك‏؟‏ وما نرى أحداً من أهل الكتاب يصدقك بما تقول فأرنا من يشهد لك أنك رسوله‏؟‏ فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ‏}‏‏:‏ لأهل مكة ‏{‏أَىُّ شَئ أَكْبَرُ شهادة‏}‏ يعني‏:‏ حجة وبرهاناً ويقال‏:‏ من أكبر شهادة‏؟‏ فإن أجابوك وإلا ف ‏{‏قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ‏}‏ بأني رسول الله‏.‏ والشهيد في اللغة‏:‏ هو المبين‏.‏ وإنما سمى الشاهد شاهداً لأنه يبيّن دعوى المدعي بأمر الله نبيه عليه السلام بأن يحتج عليهم بالله الواحد القهار الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلقهم أطواراً‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَىُّ شَئ أَكْبَرُ شهادة قُلِ‏}‏ يعني‏:‏ لأخوفكم بالقرآن يا أهل مكة ‏{‏وَمَن بَلَغَ‏}‏ يعني‏:‏ ومن بلغه القرآن سواكم، فأنا نذير وبشير من بلغه القرآن من الجن والإنس‏.‏ قال قتادة‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً مِنْ كِتَابِ الله تَعَالَى»، فمن بلغه فكأنما عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه‏.‏ وقال محمد بن كعب القرظي‏:‏ من بلغه القرآن فكأنما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قرأ‏:‏ ‏{‏لاِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ‏}‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏لاِنذِرَكُمْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَمَن بَلَغَ‏}‏ يعني‏:‏ من العجم وغيرهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَءنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله ءالِهَةً أخرى‏}‏ من الأصنام‏.‏ فإن قالوا‏:‏ نعم ‏{‏قُل لاَّ أَشْهَدُ‏}‏ بما شهدتم ولكن ‏{‏قُلْ‏}‏ أشهد ‏{‏إِنَّمَا هُوَ إله واحد وَإِنَّنِى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ‏}‏ من الأصنام والأوثان‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 23‏]‏

‏{‏الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏20‏)‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ‏(‏21‏)‏ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ‏(‏22‏)‏ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ‏}‏ يعني‏:‏ التوراة والإنجيل ‏{‏يَعْرِفُونَهُ‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته ‏{‏كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ‏}‏ وقال عبد الله بن سلام‏:‏ أنا أعرف بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابني لأني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أشهد لابني، لأني لا أدري ما أحدثت النساء بعدي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ كعب بن الأشرف ومن تابعه ممن طلبوا الرئاسة، آثروا الدنيا على الآخرة‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً‏}‏ يعني‏:‏ ممن اختلق على الله كذباً باتخاذ الآلهة وقوله الشرك ‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ‏}‏ يعني‏:‏ بالقرآن أنه ليس من عند الله ‏{‏إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون‏}‏ يعني‏:‏ أنه لا يأمن الكافرون من عذابه‏.‏ قال في اللغة‏:‏ ‏{‏أَنَّهُ‏}‏‏:‏ مرة تكون للإشارة مثل قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 98‏]‏ ومرة تكون للعماد مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءَاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 117‏]‏ ‏{‏وَأَنَّهُ *** لاَ يُفْلِحُ الظالمون‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً‏}‏ يوم القيامة ‏{‏ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ‏}‏ يعني‏:‏ أين آلهتكم التي تزعمون‏.‏ يعني‏:‏ تعبدون من دون الله ‏{‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ‏}‏ وأصل الفتنة في اللغة‏:‏ هو الاختبار‏.‏ ويقال‏:‏ فتنت الذهب في النار إذا أدخلته لتعلم جودته وإنما سمي جوابهم فتنة لأنهم حين سئلوا، اختبروا بما عندهم بالسؤال فلم يكن الجواب من ذلك الاختبار فتنة إلا هذا القول‏.‏ ويقال‏:‏ ثم لم تكن معذرتهم وجوابهم ‏{‏إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ‏}‏‏.‏ قال مجاهد‏:‏ إن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر ذنوبهم يقول بعضهم لبعض‏:‏ يا ويلكم جئتم بما لا يغفر الله لكم‏.‏ هلموا الآن فلنكْذِبْ على أنفسنا، ونحلف على ذلك، فحلفوا‏.‏ فحينئذٍ ختم على أفواههم، فتشهد أيديهم وأرجلهم عليهم‏.‏ قرأ ابن عامر وابن كثير وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ‏}‏ بالتاء لأن الفتنة مؤنث ‏{‏فِتْنَتُهُمْ‏}‏ بضم التاء، لأنه اسم تكن‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ ثم لم يكن بالياء، لأن الفتنة وإن كانت مؤنثة إلا أن تأنيثه ليس بحقيقي، ولأن الفتنة بمعنى‏:‏ الإفتان فانصرف إلى المعنى ‏{‏فِتْنَتُهُمْ‏}‏ بالنصب، فجعلاه خبر تكن والاسم ما بعده‏.‏ وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لَمْ تَكُنْ‏}‏ بالتاء والنصب وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ ‏{‏والله رَبّنَا‏}‏ بنصب الباء‏.‏ ومعناه‏:‏ يا ربنا‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏والله رَبّنَا‏}‏ بكسر الباء على معنى النعت‏.‏ قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ كيف صار وبال تكذيبهم على أنفسهم‏.‏

ويقال‏:‏ يقول الله تعالى للملائكة‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 26‏]‏

‏{‏انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏25‏)‏ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

انْظُر كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أنْفُسِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ انظر إليهم كيف يكذبون على أنفسهم ‏{‏وَضَلَّ عَنْهُم‏}‏ يعني‏:‏ ذهب عنهم‏.‏ ويقال‏:‏ اشتغل عنهم الآلهة بأنفسها ‏{‏مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ‏}‏ على الله من الكذب في الدنيا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ‏}‏ يعني‏:‏ إلى حديثك وقراءتك‏.‏ يعني‏:‏ يستمعون ولا ينفعهم ذلك ‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ‏}‏ يعني‏:‏ غطاءً مجازاً لكفرهم‏.‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ صمماً وثقلاً لا يفقهون حديثك‏.‏ وقال قتادة‏:‏ يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً، كمثل البهيمة التي تسمع القول ولا تدري ما هو‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ انشقاق القمر وغيره ‏{‏حتى إِذَا *** لَكَِّرِهُونَ * يجادلونك‏}‏ يعني‏:‏ يخاصمونك بالباطل، وينكرون أن القرآن من الله تعالى ‏{‏يَقُولُ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين‏}‏ وذلك أن النضر بن الحارث كان يخبر أهل مكة بسير المتقدمين وبأخبارهم فقالوا له‏:‏ ما ترى فيما يقول محمد صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ لا أفهم مما يقول شيئاً، ولا أدري أنه من أساطير الأولين الذي أخبركم به مثل حديث رستم واسفنديار‏.‏ وقال القتبي‏:‏ واحدها أسطورة واسطارة ومعناها‏:‏ التَّرهات‏.‏ والأباطيل البسابس، وهي شيء لا نظام له وليس بشيء‏.‏ وفي هذا دلالة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم بالسر، فيُظهِر الله أسرارهم للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ أهل مكة ينهون الناس عن محمد أن يتبعوه؛ ويتباعدون عنه أي‏:‏ يتنافرون‏.‏ ويقال‏:‏ نزل في شأن أبي طالب‏.‏ كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن قريشاً لن يصلوا إليك حتى أوسد في التراب، فامض يا ابن أخي فما عليك غضاضة يعني‏:‏ ذلاًّ وكان لا يسلم لأجل المقالة فنزل ‏{‏وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ أبا طالب ينهى قريشاً عن إيذائه، وينأى عنه، ويتباعد عن دينه‏.‏ وهذا قول الكلبي والضحاك ومقاتل‏.‏ والقول الأول أيضاً قول الكلبي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ وما يهلكون إلا أنفسهم ‏{‏وَمَا يَشْعُرُونَ‏}‏ بذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 28‏]‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏27‏)‏ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏28‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ تَرَى إذْ وُقِفُوا عَلَى النَّار‏}‏ قال الكلبي‏:‏ يعني‏:‏ حبسوا على النار‏.‏ وقال مقاتل يعني‏:‏ عرضوا على النار‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يعني‏:‏ جمعوا على أبوابها‏.‏ ويقال‏:‏ وقفوا على متن جهنم والنار تحتهم‏.‏ وروي في الخبر‏:‏ أن الناس كلهم وقفوا على متن جهنم كأنها متن الأهالة، ثم نادى مناد خذي أصحابك، ودعي أصحابي‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَقَالُواْ ياليتنا * أَوْ نُرَدُّ‏}‏ إلى الدنيا ولم يذكر في الآية الجواب، لأن في الكلام ما دل عليه فكأنه يقول‏:‏ ولو ترى يا محمد كفار قريش حين وقفوا على النار، لعجبت من ذلك فقالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تَقْضِى هذه الحياة الدنيا‏}‏‏.‏ ‏{‏وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين‏}‏ قرأ حمزة وابن عامر وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏وَلاَ نُكَذّبَ‏}‏ بالنصب ‏{‏وَنَكُونَ‏}‏ بالنصب وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏وَلاَ نُكَذّبَ‏}‏ ‏{‏وَنَكُونَ‏}‏ كلاهما بالضم على معنى الخبر‏.‏ ومن قرأ بالنصب فلأنه جواب التمني‏.‏ وجواب التمني إذا كان بالواو والفاء يكون بالنصب‏.‏ كقولك‏:‏ ليتك تصير إلينا ونكرمك‏.‏ وقرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏وَلاَ نُكَذّبَ‏}‏ بالضم و‏{‏نَّكُونَ‏}‏ بالنصب في رواية هشام بن عمار عن ابن عامر‏.‏ وقرأ عبد الله بن مسعود‏:‏ ‏{‏فَلا نُكَذّبَ‏}‏ بالفاء‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ بَدَا لَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ ظهر لهم ‏{‏مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ‏}‏ بألسنتهم‏.‏ لأن الجوارح تشهد عليهم بالشرك، فحينئذٍ يتمنون الرجعة ‏{‏وَلَوْ رُدُّواْ‏}‏ إلى الدنيا ‏{‏لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ‏}‏ يعني‏:‏ رجعوا إلى كفرهم ‏{‏وَإِنَّهُمْ لكاذبون‏}‏ في قولهم‏:‏ ‏{‏وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا‏}‏ لأنهم قد علموا في الدنيا وعاينوه‏.‏ وقد عاين إبليس وشاهد ومع ذلك كفر وكذلك هاهنا لو رجعوا لكفروا كما كفروا من قبل، لأنك ترى في الدنيا إنساناً أصابه مرض أو حبس في السجن، أخلص بالتوبة لله تعالى أن لا يرجع إلى الفسق، فإذا برأ من مرضه أو أطلق من الحبس رجع إلى الحال الأول‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 31‏]‏

‏{‏وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ‏(‏29‏)‏ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏30‏)‏ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

‏{‏وَقَالُوا إن هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا‏}‏ يعني‏:‏ ما هي إلا آجالنا تنقضي في الدنيا، فيموت الآباء، ويجيء الأبناء ‏{‏وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ‏}‏ بعد الموت‏.‏ فيبيّن الله تعالى حالهم يومئذٍ فقال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ‏}‏ يعني‏:‏ عرضوا وسيقوا وحبسوا ‏{‏على رَبّهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ عند ربهم وعند عذاب ربهم ‏{‏قَالَ أَلَيْسَ هذا‏}‏ يعني‏:‏ العذاب والبعث ‏{‏بالحق قَالُواْ بلى وَرَبّنَا‏}‏ أقروا في وقت لا ينفعهم الإقرار ‏{‏قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ‏}‏ به وتجحدونه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله‏}‏ يعني‏:‏ غبن الذين جحدوا بالله، وبالبعث حين اختاروا العقوبة على الثواب ‏{‏حتى إِذَا جَاءتْهُمُ الساعة بَغْتَةً‏}‏ يعني‏:‏ فجأة ومعناه‏:‏ أنهم جحدوا وثبتوا على جحودهم حتى إذا جاءتهم القيامة ‏{‏قَالُواْ يأَبَانَا‏}‏ يعني‏:‏ يا ندامتنا وخزينا والعرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم تقع فيه جعلته نداء كقوله‏:‏ ‏{‏يا حسرتنا‏}‏ و‏{‏وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياويلتنا مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 49‏]‏ ويا ندامتنا ‏{‏قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا‏}‏ يعني‏:‏ ضيعنا وتركنا العمل ‏{‏فِيهَا‏}‏ يعني‏:‏ في الدنيا من عمل الآخرة ‏{‏وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ آثامهم ‏{‏على ظُهُورِهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ إنهم يحملون آثامهم‏.‏ وروى أسباط عن السدي قال‏:‏ ليس من رجل ظالم يدخل قبره إلا آتاه ملك قبيح الوجه، أسود اللون، منتن الريح، عليه ثياب دنسة، فإذا رآه قال‏:‏ ما أقبح وجهك فيقول‏:‏ كذلك كان عملك قبيحاً‏.‏ فيقول ما أنتن ريحك فيقول‏:‏ كذلك كان عملك منتناً‏.‏ فيقول‏:‏ من أنت‏؟‏ فيقول‏:‏ أنا عملك‏.‏ فيكون معه في قبره‏.‏ فإذا بعث يوم القيامة قال له‏:‏ إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، فأنت اليوم تحملني‏.‏ فيركب على ظهره حتى يدخله النار‏.‏

قال‏:‏ وذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ‏}‏ وذلك على سبيل المجاز يعني‏:‏ يحملون وبال ذلك على ظهورهم وعقوبته‏.‏ ويقال‏:‏ وقرت ظهورهم من الآثام‏.‏ ثقلت وحملت، وأصل الوزر في اللغة‏:‏ هو الثقل ثم قال‏:‏ ‏{‏أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يحملون‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏32‏]‏

‏{‏وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَعِب ولَهْوٌ‏}‏ يعني‏:‏ لعب كلعب الصبيان يبنون بنياناً، ثم يهدمونه‏.‏ ويلعبون ويلهون ويبنون ما لا يسكنون‏.‏ كذلك أهل الدنيا يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون ويأملون ما لا يدركون‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَلدَّارُ الاخرة‏}‏ يعني‏:‏ الجنة ‏{‏خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ‏}‏ الشرك والفواحش ‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏ أي أن الآخرة أفضل من الدنيا‏.‏ قرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏وَلَدَارُ الاخرة‏}‏ بلام واحدة بالتخفيف، وبكسر الآخرة على معنى الإضافة‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏وَلَلدَّارُ الاخرة‏}‏ بلامين، ‏{‏والاخرة‏}‏ بالضم على معنى النعت‏.‏ وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏ بالتاء على معنى المخاطبة والباقون بالياء على معنى المغايبة‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 35‏]‏

‏{‏قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ‏(‏33‏)‏ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏34‏)‏ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُون‏}‏ روى سفيان عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب قال‏:‏ قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به، فنزلت هذه الآية‏.‏ وروى أبو معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال‏:‏ جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو حزين فقال‏:‏ ما يحزنك‏؟‏ قال‏:‏ «كَذَّبَنِي هؤلاء» فقال‏:‏ إنهم لا يكذبونك، يعلمون أنك صادق فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذى يَقُولُونَ‏}‏ من تكذيبهم إياك في العلانية ‏{‏فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ‏}‏ في السر، ويعلمون أنك صادق‏.‏ وكانوا يسمونه أميناً قبل أن يوحى إليه فلما أوحي إليه، كذّبوه، فقال‏:‏ ‏{‏ولكن الظالمين بئايات الله يَجْحَدُونَ‏}‏ وهم يعلمون أنك صادق‏.‏ والجحد يكون ممن علم الشيء ثم جحده كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 14‏]‏ قرأ نافع والكسائي‏:‏ ‏{‏فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ‏}‏ بالتخفيف‏.‏ وقرأ الباقون بالتشديد‏.‏ فمن قرأ بالتخفيف فمعناه أنهم لا يجحدونك كاذباً‏.‏ ومن قرأ بالتشديد فمعناه‏:‏ أنهم لا ينسبونك إلى الكذب، ولا يكذبونك في السر‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ ‏{‏يَحْزُنكَ‏}‏ برفع الياء، وكسر الزاي‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏لَيَحْزُنُكَ‏}‏ بنصب الياء، وضم الزاي، ومعناهما واحد‏.‏

ثم عزّاه ليصبر على أذاهم فقال‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ‏}‏ يعني‏:‏ أن قومهم كذبوهم كما كذبك قريش ‏{‏فَصَبَرُواْ على مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ‏}‏ يعني‏:‏ صبروا على تكذيبهم وأذاهم ‏{‏حتى أتاهم نَصْرُنَا‏}‏ يعني‏:‏ عذابنا لهلاكهم ‏{‏وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله‏}‏ يعني‏:‏ لا مغيّر لوعد الله‏.‏ فهذا وعد من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصرة، كما نصر النبيين من قبله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ المرسلين‏}‏ يعني‏:‏ من خبر المرسلين، كيف أنجيت المرسلين، وكيف أهلكت قومهم‏.‏ فلما وعد الله تعالى بالنصرة للنبي صلى الله عليه وسلم تعجل أصحابه لذلك، وأرادوا أن يعجل بهلاك الكفار فنزل‏:‏ ‏{‏وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ‏}‏ خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وأراد به قومه فقال‏:‏ إن عظم عليك إعراضهم عن الإيمان، ولا تصبر على تكذيبهم إياك ‏{‏فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الارض‏}‏ يعني‏:‏ إن قدرت أن تطلب سِرْباً في الأرض والنافقاء إحدى جحري اليربوع ‏{‏أَوْ سُلَّماً فِى السماء‏}‏ يعني‏:‏ مصعداً إلى السماء ‏{‏وَإِن كَانَ‏}‏ فافعل ذلك على وجه الإضمار‏.‏ وهذا كما قال في آية أخرى‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والاخرة فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السمآء ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 15‏]‏ الآية‏.‏

وروى محمد بن المنكدر‏:‏ أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الله أمر السماء أن تطيعك، وأمر الأرض أن تطيعك، وأمر الجبال أن تطيعك، فإن أحببت أن ينزل عذاباً عليهم قال‏:‏ «يا جبريل أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم»

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاء *** لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى‏}‏ يعني‏:‏ لهداهم إلى الإيمان‏.‏ ويقال‏:‏ ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى كما قال في آية أخرى ‏{‏إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء ءَايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 4‏]‏ ومعناه‏:‏ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى قهراً وجبراً، ولكن ما فعل وكلفهم وتركهم فاختيارهم‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين‏}‏ يعني‏:‏ بأنه لو شاء لهداهم‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ يعني‏:‏ القدر خيره وشره من الله تعالى، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏36- 38‏]‏

‏{‏إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ‏(‏36‏)‏ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏37‏)‏ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يطيعك، ويصدقك الذين يسمعون منك كلام الهدى والمواعظ‏.‏ قال الزجاج يعني‏:‏ يسمع سماع قابل‏.‏ فالذي لا يقبل كأنه أصم‏.‏ كما قال القائل‏:‏ أصم عما ساءه سميع‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين‏}‏ بأنه يؤمن بك بعضهم، ولن يؤمن بك البعض‏.‏ وإنما يؤمن بك الذي وفقه الله للهدى وهو أهل لذلك‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يعقلون الموعظة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والموتى يَبْعَثُهُمُ الله‏}‏ أي‏:‏ كفار مكة سماهم الله موتى، لأنه لا منفعة لهم في حياتهم ‏{‏يَبْعَثُهُمُ الله‏}‏ يعني يحييهم بعد الموت ‏{‏ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏}‏ يعني الكفار في الآخرة فينبئهم، فهذا تهديد لهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

‏{‏وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ‏}‏ يعني‏:‏ الكفار‏.‏ قالوا‏:‏ هلاّ نزل عليه آية من ربه يعني‏:‏ علامة لنبوته ‏{‏قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّلٍ ءايَةً‏}‏ كما سألوك ‏{‏ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ بأن الله قادر على أن ينزلها‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لاَّ يَعْلَمُونَ‏}‏ بما في نزول الآية لأنه لو نزلت الآية عليهم فلم يؤمنون به استوجبوا العذاب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الارض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ‏}‏ فذكر الجناحين للتأكيد لأنه يقال‏:‏ طار في الأمر إذا أسرع فيه، فإذا ذكر الجناحين صار تأكيداً له‏.‏ وقرأ بعضهم ‏{‏وَلاَ طَائِرٍ‏}‏ بالضم لأن معناه‏:‏ وما دابةٌ في الأرض ولا طائرٌ لأن ‏{‏مِنْ‏}‏ زيادة، فيكون الطائر عطفاً ورفعاً وهي قراءة شاذة‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم‏}‏ في الخلق، والموت، والبعث، تعرف بأسمائهم ‏{‏مَّا فَرَّطْنَا‏}‏ يقول‏:‏ ما تركنا ‏{‏فِى الكتاب مِن شَئ‏}‏ يعني‏:‏ في اللوح المحفوظ مما يحتاج إليه الخلق إلا قد بيّناه‏.‏ ويقال‏:‏ في القرآن قد بيّن كل شيء يحتاج إليه ‏{‏ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ الدواب والطير ‏{‏يُحْشَرُونَ‏}‏ ثم يصيرون تراباً‏.‏

وروى جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال‏:‏ يَحْشُرُ الله تعالى الخلق كلهم يوم القيامة والبهائم والدواب والطيور وكل شيء، فيبلغ من عدله أن يأخذ للجمَّاء من القرناء، ثم يقول‏:‏ كوني تراباً‏.‏ وعن أبي ذر قال‏:‏ انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «يا أبَا ذَرَ هَلْ تَدْرِي فِيمَا انْتَطَحَتَا»‏؟‏ قلت‏:‏ لا قال‏:‏ «لكن الله تَعَالَى يَدْرِي فَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا» وقال بعضهم‏:‏ هذا على وجه المثل لأنه لا يجري عليهم القلم فلا يجوز أن يؤاخذوا به‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏39- 43‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏39‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏40‏)‏ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ‏(‏41‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ‏(‏42‏)‏ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا‏}‏ يعني‏:‏ محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن ‏{‏صُمٌّ‏}‏ عن الخبر فلا يسمعون الهدى ‏{‏وَبُكْمٌ‏}‏ يعني‏:‏ خرساً فلا يتكلمون بخير ‏{‏فِى الظلمات‏}‏ يعني‏:‏ في الضلالات ‏{‏مَن يَشَآء *** الله يُضْلِلْهُ‏}‏ يعني‏:‏ يخذله فيموت على الكفر ‏{‏وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ يستنقذه من الكفَر فيوفّقه للإسلام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُكُم‏}‏ الكاف زيادة في بيان الخطاب ‏{‏إِنْ أتاكم عَذَابُ الله‏}‏ في الدنيا ‏{‏أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة‏}‏ يعني‏:‏ القيامة، ثم رجع إلى عذاب الدنيا فقال‏:‏ ‏{‏أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ‏}‏ ليدفع عنكم العذاب ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ بأن مع الله آلهة أخرى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بَلْ إياه تَدْعُونَ‏}‏ قال أهل اللغة‏:‏ بل للاستدراك والإيجاب بعد النفي‏.‏ وإنما تستعمل في موضعين‏:‏ أحدهما لتدارك الغلط، والثاني‏:‏ لترك شيء وأخذ شيء آخر‏.‏ فهاهنا بيّن أنهم لا يدعون غير الله تعالى‏.‏ وإنما يدعون الله عنهم ليكشف عنهم العذاب‏.‏ ‏{‏فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء‏}‏ وإنما قرن بالاستثناء وبالمشيئة، لأن كشف العذاب فضل الله تعالى، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ‏}‏ يعني‏:‏ تتركون دعاء الآلهة عند نزول الشدة‏.‏

ثم ذكر حال الأمم الماضية لكي يعتبروا فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ‏}‏ فكذبوهم على وجه الإضمار ‏{‏فأخذناهم بالبأساء‏}‏ يعني‏:‏ بالخوف والشدة ‏{‏والضراء‏}‏ يعني‏:‏ الزمانة والفقر وسوء الحال والجوع‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ البأساء‏:‏ الجوع، والضراء‏:‏ النقص في الأموال والأنفس ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لكي يرجعوا إليه ويؤمنوا به‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا‏}‏ يقول‏:‏ فهلا إذا جاءهم عذاباً ‏{‏تَضَرَّعُواْ‏}‏ إلى الله ويؤمنون به حتى يرفع عنهم العذاب يعني‏:‏ أنهم لو آمنوا لدفع عنهم العذاب، ولكن أصروا على ذلك فذاك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ جفت ويبست قلوبهم ‏{‏وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ‏}‏ من عبادتهم الأصنام‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 45‏]‏

‏{‏فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ‏(‏44‏)‏ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏45‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الأمم الخالية حين لم يعتبروا بالشدة ولم يرجعوا‏:‏ ‏{‏فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَئ‏}‏ من النعم والخصب ويقال‏:‏ إن الله تعالى يبتلي العوام بالشدة، فإذا أنعم عليهم يكون استدراجاً‏.‏ وأما الخواص فيبتليهم بالنعمة والرخاء فيعرفون ويعدّون ذلك بلاء‏.‏ كما روي في الخبر‏:‏ إن الله تعالى أوحى إلى موسى بن عمران إذا رأيت الفقر مقبلاً إليك فقل‏:‏ مرحباً بشعار الصالحين‏.‏ وإذا رأيت الغنى مقبلاً إليك فقل‏:‏ ذنب عجلت عقوبته فهؤلاء الذين أرسل إليهم، ابتلاهم الله تعالى بالشدة، فلم يعتبروا ولم يرجعوا، فتح عليهم أبواب كل خير عقوبة لهم لكي يعتبروا فيها‏.‏

قال الفقيه‏:‏ حدّثنا الخليل بن أحمد قال‏:‏ حدّثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدّثنا أبو عتبة قال‏:‏ حدّثنا محمد بن حمير عن شهاب بن خراش عن حرملة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا رَأَيْتَ الله يُعْطِي عَبْداً مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِمَّا يُحِبَّ فإنَّمَا ذلك مِنْهُ اسْتِدْرَاج» ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَئ‏}‏ الآية‏.‏ وقال الحسن‏:‏ والله ما أحد من الناس بسط الله له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه‏.‏ وما أمسكها الله تعالى عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ تركوا ما وعظوا به ‏{‏فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَئ‏}‏ يعني‏:‏ أرسلنا عليهم كل خير‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَئ *** مِنَ الرزق‏}‏ قرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏فَتَحْنَا‏}‏ بالتشديد على معنى المبالغة‏.‏ والباقون بالتخفيف ‏{‏حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ‏}‏ من أنواع الخير فأعجبهم ما هم فيه ‏{‏أخذناهم بَغْتَةً‏}‏ يعني‏:‏ أصبناهم بالعذاب فجأة ‏{‏فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ‏}‏ يعني‏:‏ آيسين من كل خير‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الإبلاس‏:‏ الفضيحة‏.‏ وقال الفراء‏:‏ المبلس‏:‏ المنقطع بالحجة‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المبلس‏:‏ الشديد الحسرة والآيس الحزين‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ في الآية تقديم وتأخير‏.‏ ومعناه‏:‏ فلما فتحنا عليهم أبواب كل شيء، ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون‏.‏

ثم قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ‏}‏ يعني‏:‏ قُطع أصلهم فلم يبقَ منهم أحد ‏{‏والحمد للَّهِ رَبّ العالمين‏}‏ على هلاك أعدائه واستئصالهم ويقال‏:‏ الحمد لله الذي ينتقم من أعدائه، ولا ينتقم منه أحد‏.‏ ويقال‏:‏ هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 49‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ‏(‏46‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏47‏)‏ وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏48‏)‏ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ أَرَءيْتُمْ‏}‏ أَيُّ قُلْ لاهْلِ مَكَّةَ ‏{‏أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ‏}‏ فلم تسمعوا شيئاً ‏{‏وأبصاركم‏}‏ فلم تبصروا شيئاً ‏{‏وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ‏}‏ فلم تعقدوا شيئاً ‏{‏مَّنْ إله غَيْرُ الله‏}‏ يعني هل أحد يرده عليكم ‏{‏يَأْتِيكُمْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ يخلقها لكم‏.‏

ثمَّ قال‏:‏ ‏{‏انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الايات‏}‏ أي‏:‏ كيف تبين لهم العلامات فيما ذكر من تخويفهم ‏{‏ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يُعرضون ولا يعتبرون‏.‏ قرأ نافع‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتُمْ‏}‏‏:‏ بعد الألف بغير همز‏.‏ وقرأ الكسائي بغير مد ولا همز‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالهمز‏.‏ فهي كلها لغات العرب‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً‏}‏ يعني‏:‏ فجأة أو علانية ‏{‏هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الظالمون‏}‏ يعني‏:‏ لا يهلك إلا القوم الكافرون‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ‏}‏ يعني‏:‏ ليس لهم أن يقترحوا من أنفسهم، وإنما أرسلهم بتبليغ الرسالة مبشرين بالجنة لمن أطاعه، ومنذرين بالنار لمن عصاه‏.‏ ‏{‏فَمَنْ ءامَنَ‏}‏ يعني‏:‏ صدق بالرسل ‏{‏وَأَصْلَحَ‏}‏ يعني‏:‏ سلك طريقهم، وأصلح العمل‏.‏ ويقال‏:‏ أخلص العمل بعد الإيمان ‏{‏فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا خوف عليهم من أهوال القيامة ولا هم يحزنون عند الصراط‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا يَمَسُّهُمُ العذاب بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يصيبهم العذاب بكفرهم، ولا يعذب أحداً بغير ذنب‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 52‏]‏

‏{‏قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ‏(‏50‏)‏ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏51‏)‏ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏52‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ لا أقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ الله‏}‏ يعني‏:‏ مفاتيح الرزق ‏{‏وَلا أَعْلَمُ الغيب‏}‏ يعني‏:‏ متى ينزل العذاب بكم‏.‏ هذا جواب لقولهم‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الامر ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 8‏]‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزِّلٍ ءايَةً ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 37‏]‏ ‏{‏وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ‏}‏ من السماء، إنما أنا بشر مثلكم ‏{‏إِنْ أَتَّبِعُ‏}‏ يعني‏:‏ ما أتبع ‏{‏إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ‏}‏ من القرآن ‏{‏قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير‏}‏ يعني‏:‏ الكافر والمؤمن ‏{‏أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ‏}‏ في أمثال القرآن ومواعظه‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنذِرْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ خوّف بالقرآن ‏{‏الذين يَخَافُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يعلمون ‏{‏أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ‏}‏ في الآخرة‏.‏ وإنما خصّ بالإنذار الذين يعلمون وإن كان منذراً لجميع الخلق، لأن الحجة عليهم وجبت لاعترافهم بالمعاندة وهم أهل الكتاب كانوا يقرون بالبعث‏.‏ ويقال‏:‏ هم المسلمون يعلمون أنهم يبعثون يوم القيامة ويؤمنون به‏.‏

‏{‏لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ‏}‏ يعني‏:‏ يعلمون أنه ليس لهم من دون الله‏.‏ يعني‏:‏ من عذاب الله ‏{‏وَلِيُّ‏}‏ في الدنيا ‏{‏وَلاَ شَفِيعٍ‏}‏ في الآخرة ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ يعني‏:‏ أنذرهم ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ المعاصي‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ لكي يتقوا ويثبتوا على الإسلام‏.‏ فإنهم إن لم يثبتوا ‏{‏لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلاَ شَفِيعٌ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى‏}‏ روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال‏:‏ نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عبد الله بن مسعود‏.‏ قالت قريش‏:‏ تدني هؤلاء السفلة هم الذين يلونك أي‏:‏ يصرونك‏.‏ فوقع في قلبه أن يطردهم فنزل‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى‏}‏ وروى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس قال‏:‏ كان رجال يستبقون إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فيهم بلال وصهيب، فيجيء أشراف من قومه وسادتهم فيجلسون ناحية فقالوا له‏:‏ إنّا سادات قومك وأشرافهم فلو أدنيتنا‏؟‏ فهم أن يفعل فنزل ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى‏}‏ الآية‏.‏ ويقال‏:‏ إن أبا جهل وأصحابه اختالوا ليطرد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن نفسه‏.‏ فقالوا‏:‏ إن محمداً يتبعه الموالي والأراذل فلو طردهم لاتّبعناه‏.‏ فاستعانوا بعمر رضي الله عنه فأخبر عمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يفعل ذلك‏.‏ فنزل‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ يعبدون ربهم ‏{‏بالغداة والعشى‏}‏ يعني‏:‏ يصلون لله تعالى في أول النهار وآخره ‏{‏يُرِيدُونَ وَجْهَهُ‏}‏ يعني‏:‏ يريدون بصلواتهم وجه الله تعالى ‏{‏مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَئ‏}‏ يعني‏:‏ ما عليك من عملهم من شيء ‏{‏وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَئ‏}‏ يعني‏:‏ الإثم ويقال‏:‏ معناه‏:‏ فما عليك إن لم يسلموا، فليس عليك من أوزارهم شيء‏.‏ ويقال‏:‏ يعني به‏:‏ الضعفة من المسلمين، فلا تطردهم لأنه ليس عليك من حسابهم من شيء أي‏:‏ فليس عليك من أرزاقهم شيء لكن أرزاقهم على الله‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين‏}‏ يعني‏:‏ لو طردتهم من مجلسك فتكون من الضارين بنفسك‏.‏ قرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏بالغدوة‏}‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏رَبَّهُمْ بالغداة‏}‏ وهما لغتان‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏53- 54‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ‏(‏53‏)‏ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏54‏)‏‏}‏

‏{‏وَكذلِكَ فَتَنَّا‏}‏ يقول‏:‏ هكذا ابتلينا ‏{‏بَعْضَهُم بِبَعْضٍ‏}‏ يعني‏:‏ الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، والغني بالفقير ‏{‏لّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا‏}‏ فلم يكن الاختبار لأجل أن يقولوا ذلك‏.‏ ولكن كان الاختبار سبباً لقولهم‏.‏

وهكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 8‏]‏ فلم يأخذوه لأجل ذلك، ولكن كان أخذهم سبباً لذلك فكأنهم أخذوه لأجل ذلك، هاهنا ما كان الاختبار لأجل أن يقولوا هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا لأنهم كانوا يقولون‏:‏ لو كان خيراً ما سبقونا إليه‏.‏ ومعناه‏:‏ ليظهر الذين يقولون‏:‏ هؤلاء منّ الله عليهم من بيننا‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين‏}‏ يعني‏:‏ بالموحدين منكم من غيرهم‏.‏ قال الكلبي‏:‏ فلما نزلت هذه الآية جاء عمر رضي الله عنه فاعتذر‏.‏ فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا‏}‏ يعني عمر ‏{‏فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ قبلتُ توبتكم‏.‏ ويقال‏:‏ قبل الله عذركم‏.‏ ويقال‏:‏ المعنى وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا يعني‏:‏ الضعفة من المسلمين، فابتدئ بالسلام‏.‏ وقل‏:‏ سلام عليكم ‏{‏كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة‏}‏ يعني‏:‏ أوجب الرحمة وقبول التوبة ‏{‏أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا بِجَهَالَةٍ‏}‏ يعني‏:‏ من ركب معصية وهو جاهل بركوبها، وإن كان يعلم أنها معصية ‏{‏ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ‏}‏ بعد السوء ‏{‏وَأَصْلَحَ‏}‏ العمل ‏{‏فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ غفور يعني‏:‏ متجاوز للذنوب رحيم حين قبل التوبة، ويقال‏:‏ معناه‏:‏ من عمل منكم سوءاً ثم تاب يغفر له، فكيف من كان قصده الخير فهو أولى بالرحمة‏.‏

وروى سفيان عن مجمع عن ماهان الحنفي قال‏:‏ جاء قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أصابوا ذنوباً عظاماً فأعرض عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل‏:‏ ‏{‏وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة‏}‏ قرأ عاصم وابن عامر ‏{‏أَنَّهُ مَن عَمِلَ‏}‏‏:‏ بنصب الألف‏.‏ فإنه غفور بالنصب على معنى البناء ومعناه‏:‏ كتب ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ وقرأ نافع‏:‏ ‏{‏أَنَّهُ‏}‏ بالنصب على معنى البناء ‏{‏فَإِنَّهُ‏}‏ بالكسر على معنى الابتداء‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ كلاهما بالكسر على معنى الابتداء‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 56‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏55‏)‏ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ‏(‏56‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نفَصّلُ الايات‏}‏ قال القتبي‏:‏ يعني‏:‏ نأتي بها متفرقة شيئاً بعد شيء، ولا ننزلها جملة متصلة‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏نُفَصّلُ الآيات‏}‏ يعني‏:‏ نبين الآيات بالقرآن ‏{‏وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين‏}‏ يعني‏:‏ طريق المشركين لماذا لا يؤمنون، لأنهم إذا رأوا الضعفاء يسلمون قبلهم، امتنعوا‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين‏}‏ يعني‏:‏ تفرقهم‏.‏ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص‏:‏ ‏{‏وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ‏}‏ بالتاء و‏{‏سَبِيلٍ‏}‏ بالضم لأن السبيل مؤنث كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هذه سبيلى أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى وَسُبْحَانَ الله وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 108‏]‏ ومعناه‏:‏ ليظهر لكم طريق المشركين‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر‏:‏ ‏{‏وليستبين‏}‏ بالياء ‏{‏وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين‏}‏ بالضم لأن السبيل هو الطريق‏.‏ والطريق يذكر ويؤنث‏.‏ وقرأ نافع‏:‏ ‏{‏وَلِتَسْتَبِينَ‏}‏ بالتاء ‏{‏سَبِيلٍ‏}‏ بالنصب يعني‏:‏ لتعرف يا محمد طريق المشركين‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ يعني‏:‏ الأصنام ويقال‏:‏ معناه قل إني نهيت عن طرد الضعفاء عن مجلسي، كما نهيت عن عبادة الأصنام‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ لا أذهب مذهبكم‏.‏ ويقال‏:‏ لا أتبع هواكم يعني‏:‏ لا أرجع إلى دينكم في بغض الفقراء ومجانبتهم ‏{‏قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً‏}‏ يعني‏:‏ إن فعلت ذلك فقد ضللت إذاً‏.‏ قرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏ضَلَلْتُ‏}‏ بالكسر وهو شاذ يعني‏:‏ ضللت سبيل الهدى ‏{‏وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين‏}‏ يعني لم أكن على الحق‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏57- 58‏]‏

‏{‏قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ‏(‏57‏)‏ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏58‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ إِنّى على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى‏}‏ يعني‏:‏ على أمر بيّن‏.‏ ويقال‏:‏ على دين من ربي‏.‏ ‏{‏وَكَذَّبْتُم بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ بالقرآن‏.‏ ويقال‏:‏ بالعذاب‏.‏ وذلك أن النضر بن الحارث قال‏:‏ إن كان ما تقوله حقاً فأتنا بعذاب الله فنزل‏:‏ ‏{‏مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ العذاب ‏{‏إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ‏}‏ يعني‏:‏ ما القضاء في ذلك إلا لله في نزول العذاب ‏{‏يَقُصُّ الحق‏}‏ بنزول العذاب‏.‏ وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم‏:‏ ‏{‏يَقُصُّ الحق‏}‏ بالصاد يعني‏:‏ يبين الحق‏.‏ ويقال‏:‏ يأمر بالحق وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏يَقْضِ * الحق‏}‏ بالضاد، ولكن لا يكتب بالياء‏.‏ لأن الياء سقطت في اللفظ لالتقاء الساكنين، ويقوم الكسر مقام الياء كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 18‏]‏ فحذفت الواو‏.‏ وتفسيره يقضي قضاء الحق، وقرأ ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ ‏{‏يَقْضِى بالحق‏}‏‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين‏}‏ يعني‏:‏ الحاكمين القاضين ثم قال‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ العذاب ‏{‏لَقُضِىَ الامر بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ‏}‏ بالعذاب ‏{‏والله أَعْلَمُ بالظالمين‏}‏ يعني‏:‏ بعقوبة الظالمين، هو أعلم متى ينزل بهم العذاب‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏59‏]‏

‏{‏وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏59‏)‏‏}‏

‏{‏وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب يعني‏:‏ يعلم ما يهلك في البر والبحر‏.‏ ويقال‏:‏ يعلم ما في البر من النبات والحب والنوى وما في البحر من الدواب وقوت ما فيها ‏{‏وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ‏}‏ من الشجر ‏{‏إِلاَّ يَعْلَمُهَا‏}‏ يعلم من وقت سقوطه، وموضع مسقطه‏.‏ وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه قال‏:‏ ليس أحد من خلق الله تعالى أكثر من الملائكة، وليس من شجرة تخرج إلا وملك موكل بها‏.‏ ويقال‏:‏ إن الإنسان كالشجرة، وأعضاءه كالأغصان، والحركات منه كالأوراق، فهو يعلم حركة بني آدم‏.‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظلمات الارض‏}‏ يعني‏:‏ تحت الصخرة التي هي أسفل الأرضين السابعة‏.‏ ويقال‏:‏ الحبة التي تحت الأرض التي يخرج منها النبات‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَلاَ رَطْبٍ‏}‏ يعني‏:‏ الماء ‏{‏وَلاَ يَابِسٍ‏}‏ يعني‏:‏ الحجر ويقال‏:‏ ولا رطب‏:‏ يعني العمران والأمصار والقرى ‏{‏وَلاَ يَابِسٍ‏}‏ يعني‏:‏ الخراب والبادية ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ‏}‏ يعني في اللوح المحفوظ‏.‏ ويقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ‏}‏ يعني‏:‏ لا قليل ولا كثير ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ‏}‏ يعني‏:‏ في اللوح المحفوظ‏.‏ ويقال‏:‏ القرآن قد بيّن فيه كل شيء، بعضه مفسر، وبعضه يعرف بالاستدلال والاستنباط‏.‏ وقرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏وَلاَ حَبَّةٍ‏}‏ ‏{‏وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ‏}‏ كل ذلك بالضم على معنى الابتداء‏.‏ وهي قراءة شاذة والقراءة المعروفة بالكسر لأجل‏:‏ ‏{‏مِنْ‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏60‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل‏}‏ يعني‏:‏ يقبض أرواحكم في منامكم ‏{‏وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم‏}‏ يعني‏:‏ ما كسبتم من خير أو شر ‏{‏بالنهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ‏}‏ يعني‏:‏ من النوم في النهار ويرد إليكم أرواحكم ‏{‏ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى‏}‏ يعني‏:‏ ليتم أجلكم وتأكلون رزقكم إلى آخر العمر‏.‏ قال بعضهم‏:‏ إذا نام الإنسان تخرج منه روحه كما روي في الخبر «الأَرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَة فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» يعني‏:‏ الأرواح إذا تعارفت وقعت الألفة بين الأبدان‏.‏ وإذا لم تتعارف الأرواح تناكرت الأبدان وقال‏:‏ إن الروح إذا خرجت في المنام من البدن يبقى فيه الحياة، فلهذا تكون فيه الحركة والنفس‏.‏ وإذا انقضى عمره خرجت روحه وتنقطع حياته، وصار ميتاً لا يتحرك، ولا يتنفس‏.‏ فإن قيل‏:‏ لو خرجت روحه فكيف لا يتوجع لخروجه إذا نام‏؟‏ قيل‏:‏ لأنه يخرج بطيبة نفسه، ويعلم أنه يعود‏.‏ وأما إذا انقطع عمره خرج بالكره، فتوجع له‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا تخرج منه الروح، ولكن يخرج منه الذهن‏.‏ وهو الذي يسمى بالفارسية روان وقال بعضهم‏:‏ إنما هو ثقل يدخل في نفسه، وهو سبب لراحة البدن وغذائه كقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 9‏]‏ أي‏:‏ راحة ويقال‏:‏ هذا أمر لا يعرف حقيقته إلا الله تعالى، وهذا أصح الأقاويل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ مصيركم في الآخرة ‏{‏ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ من خير أو شر فيجازيكم بذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 62‏]‏

‏{‏وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ‏(‏61‏)‏ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ‏(‏62‏)‏‏}‏

‏{‏وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ‏}‏ يعني‏:‏ القادر الغالب عليهم ‏{‏وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً‏}‏ والحفظة جمع الحافظ، مثل الكتبة والكاتب‏.‏ يعني به‏:‏ الملائكة موكلين ببني آدم، ملكين بالليل، وملكين بالنهار، ويكتب أحدهما الخير، والآخر الشر‏.‏ فإذا مشى يكون أحدهما بين يديه، والآخر خلفه، فإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏ 17، 18‏]‏ ويقال‏:‏ لكل إنسان خمسة من الملائكة‏:‏ اثنان بالليل، واثنان بالنهار، والخامس لا يفارقه لا ليلاً ولا نهاراً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت‏}‏ يعني‏:‏ حضر أحدكم الوفاة عند انقضاء أجله ‏{‏تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا‏}‏ يعني‏:‏ ملك الموت وأعوانه ‏{‏وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لا يؤخرون طرفة عين‏.‏ قرأ حمزة ‏{‏توفيه‏}‏ بلفظ التذكير بالإمالة‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏الموت تَوَفَّتْهُ‏}‏ بلفظ التأنيث‏.‏ لأن فعل الجماعة إذا تقدم على الاسم جاز أن يذكر ويؤنث‏.‏ ويقال‏:‏ معه سبعون من ملائكة الرحمة وسبعون من ملائكة العذاب، فإذا قبض نفساً مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة فيبشرونها بالثواب، ويصعدون بها إلى السماء‏.‏ وإذا قبض نفساً كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب، فيبشرونها بالعذاب، ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء، ثم ترد إلى سجّين، وروح المؤمن إلى عليين ‏{‏ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق‏}‏ يعني‏:‏ يرد أمورهم إلى الله تعالى ‏{‏أَلاَ لَهُ الحكم‏}‏ ألا‏:‏ كلمة التنبيه ومعناه‏:‏ اعلموا أن الحكم لله تعالى في خلقه ما يشاء، ويقضي بينهم يوم القيامة ‏{‏وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين‏}‏ يعني‏:‏ إذا حاسب فحسابه سريع‏.‏ ويقال‏:‏ وهو أحكم الحاكمين وأعدل القاضين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 65‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏63‏)‏ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ‏(‏64‏)‏ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر‏}‏ يعني من أهواله وشدائدهِ، والظلمات كناية عن الأهوال والشدائد ‏{‏تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً‏}‏ وقال الكلبي‏:‏ سراً وعلانية‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ يعني‏.‏ في خفض وسكون‏.‏، قرأ عاصم في رواية أبي بكر ‏{‏خُفْيةً‏}‏ بكسر الخاء، والباقون بالضم‏.‏ وهما لغتان وكلاهما واحد ‏{‏وَخُفْيَةً لَّئِنْ أنجانا مِنْ هذه‏}‏ يعني‏:‏ من غمّ هذه الأهوال والشدائد ‏{‏لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين‏}‏ يعني‏:‏ من الموحدين‏.‏ ‏{‏قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا‏}‏ يعني‏:‏ من أهوال البر والبحر ‏{‏وَمِن كُلّ كَرْبٍ‏}‏ يعني‏:‏ ينجيكم من كل كرب‏.‏ يعني‏:‏ من كل غم وشدة ‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ترجعون إلى الشرك‏.‏ وقرأ بعضهم ‏{‏يُنَجّيكُمْ‏}‏ بالتخفيف والقراءة المعروفة بالتشديد وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ‏{‏لَّئِنْ أنجانا‏}‏ بالألف يعني‏:‏ أنجانا الله تعالى‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏لاِن أَنْجَيْتَنَا‏}‏ على معنى المخاطبة‏.‏ وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ‏{‏قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا‏}‏ بالتشديد‏.‏ وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناهما واحد‏.‏ ويقال‏:‏ أنْجَى يُنْجِي ونَجَّى يُنَجِّي‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ‏}‏ يعني‏:‏ الحصب بالحجارة كما فعل بقوم لوط، والغرق كما أرسل على قوم نوح‏.‏ يعني‏:‏ إن استكبرتم، وأصررتم، وكذبتم رسلي مثل ما فعل قوم نوح، أو فعلتم الفعلة التي فعل قوم لوط ثم قال‏:‏ ‏{‏أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏}‏ يعني يخسف بكم كما خسف بقارون ومن معه، إن استكبرتم واغتررتم بالدنيا كما فعل قارون‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً‏}‏ يعني‏:‏ الأهوال المختلفة، كما ألبس بني إسرائيل إن تركتم أمر رسولي، واتبّعتم هواكم كما فعل بنو إسرائيل ‏{‏وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏}‏ يعني يقتل بعضكم بعضاً بالسيف كما فعل بالأمم الخالية، إن فعلتم مثل ما فعلوا‏.‏ فلما نزلت هذه الآية قال النبي‏:‏ صلى الله عليه وسلم «يا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي عَلَى ذلك‏؟‏» قال له جبريل‏:‏ إنَّمَا أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فادْعُ رَبَّكَ وَسَلْهُ لأمَّتِكَ فقام النبِي صلى الله عليه وسلم فتوضأ، وأسبغ الوضوء، فأحسن الصلاة، ثم دعا فنزل جبريل فقال‏:‏ إنَّ الله تعالَى سَمِعَ مَقَالَتَكَ، وَأَجَارَهُمْ مِنْ خَصْلَتَيْنِ، وَهُوَ العَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَمِنْ تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ‏.‏ فَقَالَ‏:‏ «يَا جِبْرِيلُ ما بَقَاءُ أُمَّتِي إذا كان فِيهِمْ أَهْوَاءَ مُخْتَلِفَةٌ وَيُذِيقُ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏؟‏» فنزل جبريل بهذه الآية ‏{‏الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 1/2‏]‏ الآية وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عَلَى إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفَتَرِقُ أُمَّتِي اثْنَانَ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إلاَّ وَاحِدَةَ» قالوا‏:‏ يا رسول الله ما هذه الواحدة‏؟‏ قال‏:‏

«أهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الَّذِي أنا عَلَيْهِ، وأصْحَابِي» وفي خبر آخر‏.‏ «السَّوَادُ الأعْظَمُ» وروى عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله أنه قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أعُوذُ بِوَجْهِ الله» فلما نزلت ‏{‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏}‏ قال‏:‏ «هاتان أهون» ويقال‏:‏ عذاباً من فوقكم يعني‏:‏ سلطاناً جائراً، ‏{‏أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏}‏ من سفهائكم يقلبون عليكم ‏{‏أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏}‏ يعني‏:‏ الفتنة بين المحلتين أو القريتين‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الايات‏}‏ يعني‏:‏ نبيّن الآيات من البلاء والعذاب في القرآن ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ‏}‏ يعني‏:‏ يعقلون ما هم عليه‏.‏

ثم قال‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 70‏]‏

‏{‏وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ‏(‏66‏)‏ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ‏(‏67‏)‏ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏68‏)‏ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏(‏69‏)‏ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

‏{‏وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحق‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ‏}‏ يعني‏:‏ بحفيظ ومسلط‏.‏ وهذا قبل الأمر بالقتال‏.‏ ‏{‏لّكُلّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ‏}‏ المستقر‏:‏ هو غاية ينتهي إليها‏.‏ يقال‏:‏ لكل قول وفعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه، وما كان منه في الآخرة فسوف تبدو لكم، وستعلمون ذلك في الدنيا وفي الآخرة ويقال‏:‏ معناه‏:‏ سوف أؤمر بقتالكم إذا جاء وقته ‏{‏وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ في ذلك الوقت‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا‏}‏ يعني‏:‏ يستهزئون بالقرآن ‏{‏فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ قم من عندهم، واترك مجالستهم ‏{‏حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ‏}‏ أي‏:‏ حتى يكون خوضهم واستهزاؤهم في غير القرآن ‏{‏وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان‏}‏ يقول‏:‏ إن أنساك الشيطان وصية الله تعالى، فتجلس معهم ‏{‏فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين‏}‏ يقول‏:‏ قم إذا ذكرت، ودع القوم الظالمين‏.‏ يعني‏:‏ المشركين‏.‏ قرأ ابن عامر‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان‏}‏ بنصب النون، وتشديد السين‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ بالتخفيف والجزم‏.‏ وهما لغتان‏:‏ نسيته وأنسيته‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ‏}‏ يعني‏:‏ الشرك والاستهزاء ‏{‏مِنْ حِسَابِهِم‏}‏ يعني‏:‏ من آثامهم ‏{‏مّن شَئ ولكن ذكرى‏}‏ يعني‏:‏ ذكروهم بالقرآن إذا فعلوا ذلك ‏{‏لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ‏}‏ يعني‏:‏ لكي يتقوا الاستهزاء‏.‏ قال الكلبي‏:‏ وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ يا رسول الله‏:‏ لئن قلنا كلما استهزؤوا بالقرآن، قمنا من عندهم لا نستطيع أن نجلس في المسجد الحرام‏.‏ فنزل ‏{‏وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَئ‏}‏ الآية‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً‏}‏ قال الضحاك‏:‏ يعني‏:‏ كفار قريش نصبوا أصنامهم في المسجد الحرام إلى أنصاب الحرم، وقرطوها بالمقراط، وعلقوا بيض النعامة في أعناقها‏.‏ فنزل ‏{‏وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً‏}‏ وقال الكلبي‏:‏ إن الله تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه، ويصلون فيه لله تعالى، وكل قوم اتخذوا دينهم يعني‏:‏ عيدهم لعباً ولهواً إلا هذه الأمة، فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله، وحصناً للصدقة، وهي الجمعة والفطر والأضحى‏.‏ قال مقاتل‏:‏ اتخذوا دينهم الإسلام لعباً يعني‏:‏ باطلاً ولهواً عنه‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَذَكّرْ بِهِ‏}‏ يعني‏:‏ عِظْ وَخَوِّفْ بالقرآن ‏{‏أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ‏}‏ يعني‏:‏ لكي لا تهلك نفس ‏{‏بِمَا كَسَبَتْ‏}‏ يعني‏:‏ بما عملت ويقال‏:‏ تحبس نفس يعني تسلم نفس بذنوبها إلى النار وهذا قول الضحاك‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ أن ترهن نفس بما عملت‏.‏ ويقال‏:‏ تحبس‏.‏ وقال القتبي‏:‏ أي تسلم للهلكة‏.‏ ويقال‏:‏ تخذل ولا تنصر‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِىٌّ‏}‏ يعني‏:‏ إذا وقع في العذاب، لم يكن لها مانع يمنعها من العذاب ‏{‏وَلاَ شَفِيعٍ‏}‏ يشفع لها ‏{‏وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا‏}‏ يقول‏:‏ لو جاءت بعدل نفسها رجلاً مكانها أو يفتدي بما في الأرض جميعاً لا يؤخذ يعني‏:‏ لا يقبل منها ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ‏}‏ يعني‏:‏ أهلكوا‏.‏ ويقال‏:‏ أسلموا بذنوبهم إلى النار ‏{‏لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ‏}‏ يعني‏:‏ ماء حار قد انتهى حره ‏{‏وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ‏}‏ في الدنيا‏.‏

قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏71‏]‏

‏{‏قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏71‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا‏}‏ قال مقاتل‏:‏ وذلك أن كفار مكة عذبوا نفراً من المسلمين، وراودوهم على الكفر‏.‏ قال الله تعالى للمسلمين‏:‏ قولوا لهم ‏{‏أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الله‏}‏ يعني‏:‏ الأوثان ‏{‏مَا لاَ يَنفَعُنَا‏}‏ في الآخرة ‏{‏وَلاَ يَضُرُّنَا‏}‏ في الدنيا ‏{‏وَنُرَدُّ على أعقابنا‏}‏ نعود ونرجع إلى الشرك ‏{‏بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله‏}‏ إلى الإسلام ‏{‏كالذى استهوته الشياطين فِى الارض حَيْرَانَ‏}‏ يعني‏:‏ كمثل رجل كان مع قوم، فضلَّ الطريق، فحيره الشياطين و‏{‏لَهُ أصحاب يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى‏}‏ يعني‏:‏ إلى الطريق أن ‏{‏ائتنا‏}‏ فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم‏.‏ فذلك مثلنا إن تركنا دين محمد عليه السلام‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار، يقول‏:‏ الكافر حيران يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب الكافر‏.‏ وقال ابن عباس في رواية أبي صالح‏:‏ نزلت الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر، كان أبوه وأمه يدعوانه إلى الإسلام، فأبى أن يأتيهما وهو يدعوهما إلى الشرك‏.‏ فضرب الله تعالى له المثل بالذي استهوته الشياطين يعني‏:‏ أضلته‏.‏

‏{‏قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى‏}‏ يعني‏:‏ دين الله هو الإسلام ‏{‏وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين‏}‏ يعني‏:‏ لنخلص بالعبادة والتوحيد بالله تعالى‏.‏ قرأ حمزة ‏{‏استهواه‏}‏ بلفظ التذكير بالإمالة‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏كالذى استهوته‏}‏ بلفظ التأنيث، لأن فعل الجماعة مقدم، فيجوز أن يذكر ويؤنث كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 61‏]‏ قوله تعالى‏:‏